أبي حيان التوحيدي
172
المقابسات
كل إنسان نحويا في الأصل . والخطأ في النحو يسمى لحنا ، والخطأ في المنطق يسمى إحالة . والنحو تحقيق المعنى باللفظ ، والمنطق تحقيق المعنى بالعقل . وقد يزول اللفظ إلى اللفظ ، والمعنى بحاله لا يزول ولا يحول ؛ فأما المعنى فإنه متى زال إلى معنى آخر تغير المعقول ورجع إلى غير ما عهد في الأول . والنحو يدخل المنطق ، ولكن مرتبا له . والمنطق يدخل النحو ، ولكن محققا له . وقد يفهم بعض الأغراض وإن عرى لفظه من النحو ، ولا يفهم شئ منها إذا عرى من العقل . فالعقل أشد انتظاما للمنطق ، والنحو أشد التحاما بالطبع . والنحو شكل سمعىّ ، والمنطق شكل عقلىّ . وشهادة النحو طباعية ، وشهادة المنطق عقلية . وما يستعار للنحو من المنطق حتى يتقوم ، أكثر مما يستعار من النحو للمنطق حتى يصح ويستحكم . فالمنطق وزن لعيار العقل ، والنحو كيل بصاع اللفظ ؛ ولهذا قيل في النحو الشذوذ والنادر ، وردئ المنطق ما جرى مجراهما فهذا ما استدف من قوله ، وهو باب مفتوح يمكن أن يقال فيه من هذا الجنس ما يكون شاهدا لما قال والسلام « 1 » 23 مقابسة [ في ظرف الزمان وظرف المكان ] قلت لأبى سليمان : كنا أمس في مجلس أبى على القومسى فجرى كلام في الظرف فقال له الأندلسي : أيها الشيخ ، لم صار الظرف المخصوص بالزمان أكثر من الظرف المخصوص بالمكان ؟
--> ( 1 ) راجع المناظرة الجليلة التي وقعت بين أبي سعيد السيرافى وبين متى بن يونس في المفاضلة بين النحو العربي وبين المنطق اليوناني ، والتي رويناه فيما سبق من هذا الكتاب ص 68